26th Apr 2025
في يومٍ من الأيام، كانت الغابة تعجُّ بالحياة.. الطيور تُغرِّد، والحيوانات تلهو بين الأشجار، والهواء العليل يحمل عبق الزهور. كان كل شيءٍ جميلاً، حتى دوى فجأةً صوتُ انفجارٍ مُرعب! "طق.. طق.. طق!" طلقاتُ نارٍ متلاحقة اخترقت صمتَ الغابة! فرت الحيواناتُ هاربةً في كل اتجاه، تختفي بين الأدغال أو داخل الجحور. لكن فيلَةً واحدةً بقيت مكانها، ترتجف من الخوف.. كانت حاملاً، وقد بدأت آلامُ الولادة تُنهكها. حاولت أن تركض، لكنها لم تستطع.. شعرت بأن صغيرها على وشك أن يخرج إلى الحياة! بكل ما تبقى لها من قوة، جرَّت نفسها إلى مكانٍ مخفي بين الأعشاب الطويلة، ووضعت وليدها الصغير. نظرت إليه بعينين دامعتين، وهمست بصوتٍ متقطع: "لا تتحرك يا حبيبي.. اختبئ هنا.. أمكِ لن تستطيع حمايتك بعد اليوم."
كانت دموعُها تسقط على وجهه الصغير، بينما حاولت أن تُغطيه بأوراق الشجر الجافة كي لا يراه أحد. ثم رفعت نظرها إلى الشجرة العتيقة التي كانت واقفةً بجانبها، وقالت لها: "اعتنِ به من فضلك.. لا تتركيه وحيداً." قبل أن تكمل كلامها، دوى صوتُ رصاصةٍ أخرى.. هذه المرة أصابتها في رأسها! سقطت الفيلة على الأرض، ولم تتحرك بعدها أبداً.. لقد ماتت! أما الصغير، فظلَّ مختبئاً تحت الأوراق، لا يستطيع الحركة من شدة ضعفه. كانت عيناه الصغيرتان تحدقان في جسد أمه المُضرَّج بالدماء، لكنه لم يستطع حتى البكاء. في تلك اللحظة، تحركت أغصانُ الشجرة بلطف، وانحنت لتُغطي الفيل الصغير تماماً. همست له بأوراقها الخضراء: "لا تخف يا صغيري.. سأكون أنا أمكِ من الآن."
مرت الأيام ببطء على الفيل الصغير وهو يعيش تحت حماية الشجرة العتيقة. كانت الشجرة تعطيه الظل في النهار والدفء في الليل، وكأنها تحتضنه بين أوراقها الكبيرة. ومع كل يوم يمر، كان الصغير يزداد قوةً وشجاعة، وكان ينظر إلى الشجرة بعينين مليئتين بالامتنان، وكأنها أمه بالفعل. وكلما سقطت ورقة، همست الشجرة له بحنان: "لا تخف، نحن هنا معًا للأبد."
في إحدى الليالي، حين كانت السماء مرصعة بالنجوم، سمع الفيل الصغير صوتًا غريبًا قادمًا من بعيد. كان صوت حفيف الأوراق وكأنها تتحدث بلغةٍ قديمة. اقترب من الشجرة وهمس: "ماذا يحدث؟"، فأجابته الشجرة: "إنها الرياح، تحمل لنا أخبارًا بأن الغابة بدأت تستعيد سلامها، وأن الخطر قد زال عن أراضينا." عندها شعر الفيل الصغير بفرحة لم يعرفها من قبل، ووعد الشجرة أن يبقى بجانبها إلى الأبد.
وفي يوم مشرق، جاءت قافلة من الفيلة الكبيرة تسير في الغابة. توقفت إحداها عند الشجرة، وشمت الهواء بحذر. كان الفيل الصغير يراقبها بشغف، حتى نادته بصوتٍ هادئ: "تعال يا صغيري، نحن هنا لنأخذك إلى حيث تنتمي." نظر إلى الشجرة، فهزت أوراقها بموافقة، فخطا نحو القافلة بثقة، ولكنه لم ينسَ أن ينظر خلفه نحو الشجرة، التي ستظل دائمًا أمه في قلبه.