6th Feb 2025
حَلَّ فَصُلُ الرَّبِيعِ وَتَزَيَّنَتِ الطَّبِيعَةُ بِلَوْنِهَا الْأَخْضَرَ الْجَمِيلِ، فَطَلَبْنَا مِنْ وَالِدِي أَنْ يأْخُذَنَا فِي رِحْلَةٍ إِلَى الْغَابَةِ. رَحْبَ أَبِي بِالْفِكْرَةِ وَقَالَ: سَوْفَ نَذْهَبُ فِي نِهَايَةِ الْأُسْبُوعِ. جَاءَ اليَوْمُ الْمَوْعُودُ، قُمْنَا فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، جَهَزَتْ أُمِّي لَوَازِمَ الرَّحْلَةِ وَوَضَعَتْهَا بِمِسَاعَدَةِ أَبِي فِي السَّيَّارَةِ، وَ غَادَرْنَا بِاتِّجَاهِ الْغَابَةِ.
عِنْدَمَا وَصَلْنَا رَأَيْنَا أَشْجَاراً مُخْتَلِفَةَ الْأَنْوَاعِ، مِنْهَا أَشْجَارٌ طَوِيلَةٌ تَكَادُ تُلامِسُ السَّمَاءَ، مُخْتَلِفَةٌ أَوْرَاقُهَا عَنْ بَاقِي الْأَشْجَارِ. فَسَأَلْتُ أَبِي قَائِلاً: أَبِي مَا اسْمُ هَذِهِ الأَشْجَارِ الْعِمْلَاقَةِ؟ أَجَابَ قَائِلاً: هَذِهِ أَشْجارُ الْأَرْزِ. فَقَالَتْ أُخْتِي: هَلْ هِيَ الَّتِي تُعْطِينَا الْأُرُز الَّذِي نَأْكُلُهُ، يَا أَبِي؟ ابْتَسَمَ أَبِي وَ أَجَابَ: لَا يَا ابْنَتِي، فَالْأَرُزُ نَبَاتٌ صَغِيرٌ يُشْبِهُ نَبْتَةَ الْقَمْحِ، وَلَا يَنْمُو فِي الشَّجَرِ.
بَعْدَ أَنْ تَخَطَّيْنَا بَعْضَ الأَشْجَارِ العَالِيَةِ، سَمِعْنَا أَصْوَاتَ عَصَافِيرٍ تُغَرِّدُ بِأَلْحَانٍ جَمِيلَةٍ. أَشَارَتْ أُمِّي إِلَى عُشٍّ صَغِيرٍ بِأَحَدِ الأَشْجَارِ، وَقَالَتْ: انْظُرُوا، هُنَاكَ عَائِلَةٌ مِنَ العَصَافِيرِ تَبْنِي بَيْتَهَا. تَعَلَّمْنَا كَيْفَ تَعْتَنِي العَصَافِيرُ بِصِغَارِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ دَرْسَاً فِي الرِّفْقِ وَالحُبِّ لَكُلِّ مَخْلُوقٍ.
اِسْتَمْرَرْنَا فِي مَشْيِنَا حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى بُحَيْرَةٍ صَغِيرَةٍ، وَالمَاءُ فِيهَا يُشِعُّ كَأَنَّهُ مَجْمَرَةُ زَمُرُّدٍ. جَلَسْنَا عَلَى العُشْبِ الأَخْضَرِ وَبَدَأْنَا فِي تَنَاوُلِ الطَّعَامِ الَّذِي أَعَدَّتْهُ أُمِّي. كَانَ الطَّعَامُ لَذِيذَاً وَالشَّمْسُ تُدَاعِبُ وُجُوهَنَا بِنُورِهَا الدَّافِئِ.
بَعْدَ أَنْ اِنْتَهَيْنَا مِنْ نُزْهَتِنَا، قَرَّرْنَا أَنْ نَعُودَ إِلَى المَنْزِلِ. وَعَدَنَا أَبِي أَنَّهُ سَيَأْخُذُنَا إِلَى الغَابَةِ مَرَّةً أُخْرَى قَرِيبَاً. كُنَّا سَعِيدِينَ بِتِلْكَ النُّزْهَةِ الجَمِيلَةِ وَالأَذْكَارِ الجَدِيدَةِ الَّتِي حَصَّلْنَاهَا فِي أَحْضَانِ الطَّبِيعَةِ.